محمد خليل
لم أتخيل يوما عندما قابلت توربون سميث أن أقول إنه علمني الإسلام، كنت أنظر إليه على أنه حملة استعمارية جديدة جاءت في رداء جديد وأسلوب جديد، بينما هو نظر إلي على أنني أحد الأصوليين، خاصة مع اللحية وعلامة الصلاة التي كانت ظاهرة على وجهي، ولكن علاقة العمل بيننا كانت علاقة فوقية؛ فهو المسئول عن الدورة الإدارية التي رشحتني لها السلطة الفلسطينية مع 20 ضابطا آخرين، ومع ذلك لم يُظهر الرجل هذه العلاقة الفوقية، يقف معنا في طابور الشاي، ويرفض الحفاوة الزائدة التي كان يظهرها بعض ضباط المواقع به.
كان الرجل يؤدي واجبه في الدورة بإخلاص وأمانة، لكنه كان يشعر بعدم ارتياح نحوي، خاصة أنني كنت الوحيد الذي أستأذن في الخروج لأداء صلاة الظهر، حيث إن المحاضرات كانت تستمر من التاسعة صباحا حتى الثانية بعد الظهر، ولكني أوضحت له أن مواعيد الصلاة مقدسة، ولكن مع الوقت ومع استجابتي للتدريب أصبحنا أقرب إلى صديقين منا إلى أي شيء آخر.
ولا أملك إلا أن أقول إنني كمسلم تغيرت كثيرا بعد تجربتي مع هذا الرجل الدانماركي، فالرجل قدم لي سلوكا إسلاميا رغم أنه لم يقدم قولا، وهذا ما أفتقده في المجتمع الذي أعيش فيه على مدار سنوات عشتها بين الدراسة والعمل، وكبر مقتا عند الله أن نقول ما لا نفعل.
لذا كان توربون نموذجا رائعا أحتذي به كمسلم، فرغم العلاقة شبه العدائية في البداية لم يتردد الرجل في أن يعطيني تقديرا متقدما، بل ورحب بشدة بالاقتراحات التي قدمتها خلال تلك الدبلوما.
ولكن بعيدا عن هذا كله خرجت من معرفتي به بسؤال واحد:
إذا كنت أدعي أني مسلم، فماذا قدمت للإسلام؟ وتوربون لم يدفعني لهذا السؤال مباشرة، ولكن من خلال سلوكياته التي دفعتني لأسأل نفسي هذا السؤال.
فالرجل جاء من الدانمارك حاملا معه بعض السلوكيات الإدارية التي يمكن اتباعها بغرض رفع كفاءة فريق العمل والنظر إليه من باب الأسرة الواحدة، ويصب هذا في النهاية في مصلحة العمل والجماعة، وخلال تدريسه لتلك السلوكيات التي تقوم على التعاون، والخضوع لرأي الأغلبية، واحترام آراء الآخرين، والتعامل مع السلبيات والإيجابيات، ومبدأ المحاسبة على الكبير والصغير على حد سواء، وغير ذلك من السلوكيات التي كنت أتساءل: لماذا أتعلمها منه وقد تعلمتها بالفعل من القرآن والسنة؟ ولماذا يأتي توربون من الدانمارك ليعلمنا الكتاب والسنة دون أن يدري؟ هل افتقدنا السلوك الإسلامي في حياتنا إلى هذا الحد؟.
وفي آخر يوم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ